عبد الوهاب الشعراني

307

الطبقات الكبرى ( لواقح الأنوار القدسية في مناقب العلماء والصوفية )

تَسْتَأْنِسُوا « 1 » فلقد كان أحدهم بعد نزولها إذا وقف يقول : نعم ثلاث مرات فإن أذن له وإلا رجع من حيث أتى . وكان يقول : كان السلف يخافون من آفات الاجتماع فلذلك آثروا العزلة إلا في صلاة الجمعة وحضور مجالس العلم التي لا رياء فيها ولا جدال ولا عجب ولا مدارة ، والسلامة من هذه الأمور في زماننا هذا قل أن توجد فعليك بالوحدة بعد معرفة ما أوجب اللّه تعالى عليك فإنك يا ولدي في القرن السابع الذين أكثرهم يجعلون شريعة السالك قدحا في الشريعة ، وحقيقة المحبة بدعا في الطريق ، كأنهم ما علموا قط عطاء اللّه ومواهب مدد اللّه وخوارق عجائبه ، بل رأوا من سوء حالهم أن باب العطاء قد أغلق فمن اعتقد ذلك فإنما هو معترض على اللّه تعالى في فعله ونعوذ باللّه من التعرض ، فإنه لا بدّ لأهل حضرته تعالى من التميز عن المعرضين عنها ليشتاق المعرضون إليها حين يرون الخوارق تقع على يد أوليائه ، فما أجهل من جهل قدر الفقراء وما أعماه ، أيش يقال في قوم كلهم طالبون اللّه تعالى أنكر عليهم مسلم ؟ كلا واللّه وقيل للجنيد رضي اللّه عنه إن قوما يتواجدون ويتمايلون قال دعهم مع اللّه تعالى يفرحون ، ولا تنكر إلا على العصيان المصرح به في الشريعة ، أما هؤلاء القوم فقد قطعت الطريق أكبادهم ومزق التعب والنصب أمعاءهم وضاقوا ذرعا ، فلا حرج عليهم إذا تنفسوا مداواة لحالهم ، ولو ذقت يا أخي مذاقهم لعذرتهم في صياحهم وشق ثيابهم فاللّه يلهم أولادي سلوك سبيل الرشاد إليه إنه سميع مجيب . وكان رضي اللّه عنه يقول : قلة معرفة أخلاق القوم من الحرمان لأن خرق سياج الأدب معهم يؤدي إلى العطب ، والباب مفتوح ما غلق إلا أن القوم واقفون بباب اللّه والجواب منادمات في الغيب بالغيب . وكان رضي اللّه عنه يقول : أسلم التفسير ما كان مرويا عن السلف وأنكره ما فتح به على القلوب في كل عصر ، ولولا محرك يحرك قلوبنا لما نطقت إلا بما ورد عن السلف ، فإذا حرك قلوبنا وارد استفتحنا باب ربنا واستأذناه وسألناه الفهم في كلامه ، فنتكلم في ذلك الوقت بقدر ما يفتحه على قلوبنا فسلموا لنا تسلموا فإننا فخارة فارغة والعلم علم اللّه تعالى .

--> ( 1 ) سورة النور : الآية 27 .